في إحدى صباحات الخريف الند ي استيقظت على جلجلات و أصوات من هنا وهناك وعلى وقع أقدام تدب على ارض منزلنا فتحت عيني لأجد كل واحد من أفراد أسرتي منشغل بشيء ما
أمي تعد الأطباق والقدور والصواني لتضعها في مكان هيأته لذلك الغرض أما أختي الكبرى فقد رايتها جاهدة تلف المفارش والبسط الصغيرة لتضيفها إلى قافلة الأغراض المُسجات فوق ارض الدار التي تنتظر من يحملها إلى المكان المقصود.
و بينما أنا على هذا الحال انظر إلى ما يدور حولي ولا زالت أعضائي غير قادرة على النهوض ولدى رغبة الحنين إلى الفراش
فاجأتني أمي بالقول هيا هيا كفاك نوما انهضي انهضي أنسيت ما ينتظرنا اليوم ؟
هنا طغت الصحوة على أعضاء جسدي وعلمت بأن اليوم هو يوم (الكَصاص) أو هكذا يسمى في بلدتي أي قطع عثق النخيل.
وهو يوم زفاف التمور إلى مخدعها , و إنني لاحق لي اليوم في النوم بالعسل و إنما بين ثمرات العسل اللذيذ نهضت مسرعة غسلت وجهي وسرحت شعري وربطته بشريط ابيض أخذته خلسة من بين ملابسي المدرسية وارتديت ما تيسر لى من ملبس لا أتذكر إني قد تناولت فطوري في ذلك الصباح حيث أنهم ما لبثوا أن هموا بالرحيل حينئذٍ استسلمت لمرافقتهم.
خرج الجميع من باب المنزل لنضع خطواتنا الأولى نحو فردوس بلدتنا الرائع وهى البساتين حيث بستاننا الجميل الوارف بالأشجار أو بالأحرى بشيوخ الأشجار من النخيل ,البرتقال ,الليمون والرمان, سرنا في شوارع البلدة والعربة المحملة بالأغراض تجر أذيالها نحو الهدف.
ثم ترآى لي من بعيد مبنىً كبير ذي بوابة كبيرة واسعة خيل إلي أن شاحنة كبيرة تستطيع أن تدلف منها, لم نتوقف عند هذا المبنى لكنى علمت انه مبنىً للتخزين وعند بوابته بدأنا طريقاً آخر غير معبد يفترشه ترابا كثيفا و تحيط جدرانه أشجار ملونات ويكمل سحر هذا المكان خرير السواقي التي يحف بها نبات العليق, كانت تسحرني! فأهِمُ عليها اقطف ما استطيع قطفه.
وهنا يتعالى صوت يناديني لألحق بهم فلا أجيب غير إني أهرول مع حبات التوت التي ملئت بها فمي و وضعت قبضة أخرى في يدي وحبات سقطت و تناثرت ليفوز بها تراب طريقي هذا.فلا أملك فرصة لالتقاطه ابدآ, فأسرع الخطى لأنظم إليهم.
بدأ التعب يدب في قدمي الصغيرتين و لكن الرفقة أنستني الضجر و التعب.كانت العربة قد اختفت عن أعيننا حيث أنها سبقت أقدامنا المتراخية.
اقتربنا من البستان لنجتاز بعد ذلك قنطرةً صغيرةً كانت تنتظرنا فوق ساقية لا زال خرير ماؤها في ذاكرتي.وصلنا و لازالوا من في البستان يلقون بالأغراض من فوق العربة قرب الساقية.دخلنا و رأينا عمال( الكِصاص) ينتظرونا للبدء بالعمل.
لم تكن عائلتي وحدها التي ارتمت فوق ارض البستان و بين أحضان أشجارها الكثيفة فقد سبقنا إليها جدتي و عمتي و عمي وعائلته, أي نحن الآن عائلة واحدة بهدف واحد, و في الحال أحسست أن الحركة بدأت تدب في أرجاء البستان مِنهم من يلقي المفارش على الأرض و الآخر يحاصر جذوع النخيل بقطع الحصران لتسقط التمور عليها جنيا, و الحصران ( مفرد حصير)
وهو مفرش مصنوع من سعف النخيل.
بدأ الفلاحون يتسلقون جذوع النخيل بواسطة آلة تسمى باللهجة العراقية ( تَبَليَة) أي م
























